ابن قيم الجوزية
292
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
وتأمل ما في هذا المثل من الحكم والمعاني . فمنها قوله : آتَيْناهُ آياتِنا فأخبر سبحانه أنه هو الذي آتاه آياته . فإنها نعمة واللّه هو الذي أنعم بها علينا . فأضافها إلى نفسه . ثم قال : فَانْسَلَخَ مِنْها أي خرج منها ، كما تنسلخ الحية من جلدها . وفارقها فراق الجلد يسلخ عن اللحم . ولم يقل : فسلخناه منها لأنه هو الذي تسبب إلى انسلاخه منها باتباعه هواه . ومنها قوله سبحانه : فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ أي لحقه وأدركه ، كما قال في قوم فرعون : 26 : 60 فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ وكان محفوظا محروسا بآيات اللّه محميّ الجانب بها من الشيطان لا ينال منه شيئا إلا على غرّة وخطفة . فلما انسلخ من آيات اللّه ظفر به الشيطان ظفر الأسد بفريسته فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ العاملين بخلاف علمهم ، الذين يعرفون الحق ويعملون بخلافة ، كعلماء السوء . ومنها : أنه سبحانه قال : وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها فأخبر سبحانه أن الرفعة عنده ليست بمجرد العالم . فإن هذا كان من العلماء ، وإنما هي باتباع الحق وإيثاره ، وقصد مرضاة اللّه . فإن هذا كان من أعلم أهل زمانه . ولم يرفعه اللّه بعلمه ، ولم ينفعه به . نعوذ باللّه من علم لا ينفع . وأخبر سبحانه أنه هو الذي يرفع عبده إذا شاء بما آتاه من العلم ، وإن لم يرفعه اللّه فهو موضوع ، لا يرفع أحد به رأسا . فإن الرب الخافض الرافع سبحانه خفضه ولم يرفعه . والمعنى : لو شئنا فضلناه وشرفناه ورفعنا قدره ومنزلته بالآيات التي آتيناه . قال ابن عباس : لو شئنا لرفعناه بعلمه . وقالت طائفة : الضمير في قوله « لرفعناه » عائد على الكفر .